الجمعة، 28 نوفمبر 2008

الدولة ... وأهمية التسعير

الدولة ... وأهمية التسعير

إن مسئولية الدولة -التي يمثلها الإمام في الإسلام- مسئولية مطلقة غير مقيدة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم : كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام راع، وهو مسئول عن رعيته ، وهذا ما جعل عمر بن الخطاب يقول: لو هلك جديٌ بشط الفرات لرأيتني مسئولا عنه أمام الله يوم القيامة فهذا شعور بالمسئولية عن الحيوان؛ فكيف بالإنسان؟ ويجدر بنا أن نذكر حديثا يتعلق بزيادة الأسعار فعن أنس – رضي الله عنه - قال غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال .تحقيق الألباني صحيح ابن ماجة (1801)

والحديث يدل على أن الأصل هو حرية السوق وهذا يعد فرضا مهما من الناحية الاقتصادية ، فينرك تفاعل العرض والطلب للقوانين الطبيعية دون تدخل مفتعل، ولكن إذا تدخلت في السوق عوامل غير طبيعية، من جهة المتلاعبين أو المستغلين لحاجات الناس، وكانت مصلحة الناس تقتضي التدخل من الدولة بالتسعير أو التحديد أو الإلزام، فإن التدخل حينئذ يكون واجبا لمصلحة الناس ، وقد ثار جدل بين الفقهاء حول تفسير الحديث الشريف عندما طلب البعض تسعير السلع بسبب غلائها بين مجوز للتسعير ومانع له وانتهى ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى إلى أن هذا الحديث ورد في قضية خاصة ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن التسعير لعدم وجود ما يقتضيه .
" وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا كانت لا تتم إلا بالتسعير يسعر عليهم " .
ويقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه الحسبة في الاسلام : " وبالمثل لو امتنع أرباب السلع الضرورية عن بيعها إلا بزيادة عن القيمة المعروفة لها أجبرهم ولي الأمر على بيعها بسعر المثل ، وإذا انحصر البيع في طائفة واحدة فالتسعير واجب دائما "

لهذا يجب أن تتدخل الدولة في قضية تسعير السلع درءا للمفاسد التي تقع على شرائح كبيرة من الناس في المجتمع وهذا مقدم على جلب المصالح لفئة قليلة من التجار ، وإذا اشتكى الناس بسبب الغلاء وقع الضرر ، وهذا الضرر يجب أن يزال عملا بقواعد الشريعة ويقول الدكتور أحمد الحصري في كتابه السياسة الاقتصادية : وليس هناك نص قاطع بمنع تدخل الدولة في السوق التجارية بتنظيم التعامل على أساس سعر محدد لكل سلعة طالما أن التجار لم يزعهم الوازع الديني واستولت عليهم شهوات حب المال".

والمطلوب أن يتم تفعيل القوانين الخاصة بضبط الأسعار وتطبيق العقوبات على كل من تجاوزها وهذا أفضل ولا شك من ترك الحبل على الغارب لبعض التجار للتلاعب بالأسعار كما يشتهون بلا رقيب ولا رادع لهم ، وضبط الأسعار أمر ممكن في الواقع وما على الدولة إلا تفعيل القوانين الخاصة بذلك كما حدث في بعض الدول وكان لهذا أثره ومساهمته في استقرارها الاقتصادي ... والسياسي كذلك .

ضاءات...

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، الأمير راع ، والرجل راع على أهل بيته ، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده ، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .